عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

367

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

( الحكاية الثانية والثلاثون بعد الأربع مئة : عن عبد الواحد بن زيد رضي اللّه عنه ) قال : مررت براهب فسألته منذ كم أنت في هذا الموضع ؟ قال منذ أربع وعشرين سنة ، قلت من أنيسك ؟ قال الفرد الصمد ، قلت : ومن المخلوقين ؟ قال الوحش ، قلت فما طعامك ؟ قال ذكر اللّه ، قلت : ومن المأكولات ، قال ثمار هذه الأشجار ونبات الأرض ، قلت أفلا تشتاق إلى أحد ؟ قال نعم ، إلى حبيب قلوب العارفين ؟ قلت : ومن المخلوقين ؟ قال من كان شوقه إلى اللّه سبحانه وتعالى كيف يشتاق إلى غيره ؟ قلت فلم اعتزلت عن الخلق ؟ قال لأنهم سراق العقول وقطاع الطريق ، طريق الهدى ، قلت ومتى يعرف العبد طريق الهدى ؟ قال إذا هرب إلى ربه من كل شئ سواه ، واشتغل بذكره عما سواه . ( الحكاية الثالثة والثلاثون بعد الأربع مئة عن ذي النون المصري ) قال ذو النون المصري رضي اللّه عنه : بينما أنا أسير في بعض المفاوز إذا أنا برجل متزر بحشيش فسلمت عليه فردّ علىّ السلام ، ثم قال من أين الفتى ؟ قلت من مصر ، قال إلى أين ؟ قلت أطلب الأنس بالمولى ، قال اترك الدنيا والعقبى يصلح لك الطلب ، وتصلح إلى الأنس بالمولى ، قلت هذا الكلام صحيح بيّنه لي ، قال أتّهم فيما أعطينا ، ولقد أعطينا خيرا مما تقول ، وهو المعرفة ؟ قلت ما اتهمتك ولكي أريد أن تزيدني نورا على نور ، فقال يا ذا النون انظر فوقك ، فنظرت فإذا السماء والأرض كأنهما ذهب يتوقد ويتلألأ ثم قال اغضض بصرك فغضضت ، فإذا هما قد صارتا كما كانتا فقلت كيف السبيل إلى هذا ؟ قال تفرد للفرد إن كنت له عبدا رضي اللّه تعالى عنهما ونفعنا بهما * قلت : هذا الذي أراه ليس هو عين المعرفة المذكورة ، لكنه دليل على المعرفة ، لأن الكرامة تدل على الاستقامة عندهم ، والاستقامة لا تكون إلا للعارفين باللّه سبحانه ، وقوله : إن كنت له عبد ، هكذا هو بسكون الدال من غير ألف بعدها مراعاة للسجع . ( الحكاية الرابعة والثلاثون بعد الأربع مئة عن محمد المقدسي ) روى عن محمد المقدسي رحمه اللّه تعالى قال : دخلت يوما دار المجانين بالشام ، فرأيت فيها شابا على رقبته غلّ وفي رجليه قيد مشدود بسلسلة ، فلما وقع بصره علىّ قال يا محمد أترى ما فعل بي ؟ ثم قال جعلتك رسولا إليه ، قل له لو جعلت السماوات غلا على عنقي والأرضين قيدا على رجلي لم ألتفت منك إلى سواك